قصة وفاة سيدنا داوود في التلمود والمدراش بين جلال الملك وأحكام الدفن يوم السبت

قصة وفاة سيدنا داوود في التلمود والمدراش بين جلال الملك وأحكام الدفن يوم السبت
قصة وفاة الملك داود في التلمود والمدراش بين جلال الملك وأحكام الدفن يوم السبت

وفاة سيدنا داوود: وفقاً للتراث اليهودي، رحل الملك داود عن العالم في عيد الأسابيع (شفوعوت). غير أن هذه اللحظات الختامية لم يتم روايتها بطريقة واحدة؛ فقد استعرض البروفسور جلعاد شاشون في دراسته مقارنةً بين “التلمود البابلي” ومدراش “روت رابا” (التلمود الأورشليمي)، كاشفاً عن تباين عميق في النظرة لكرامة الموتى مقابل قيمة الأحياء.

التلمود البابلي: الكلب الحي خير من الأسد الميت

في التلمود البابلي في مسيخت شبات (مبحث السبت)، تأتي القصة ضمن موعظة للحاخام تانخوما حول قيمة الحياة. يصور النص داود (عليه السلام) كعالم توراة لا ينقطع لسانه عن الدراسة، وهو ما منحه حصانة ضد ملاك الموت. لم يستطع الملاك قبض روحه إلا بحيلة؛ حيث أحدث ضجيجاً في الأشجار خلف القصر، وعندما خرج داود لاستطلاع الأمر انكسرت تحته درجة السلم، ليتوقف عن الدراسة لحظةً واحدة كانت كافية لرحيله.

إقرأ أيضًا:

المفارقة في هذه الرواية تكمن في “اختبار الأولويات” بحسب التلمود؛ فقد توفي داود يوم السبت وكان جسده ملقى في الشمس بينما كانت كلاب القصر جائعة. وعندما استفتى الملك سليمان الحاخامات (السنهدرين)، جاءت الإجابة لتعزز مبدأ فلسفياً قاسياً: “أطعموا الكلاب أولاً، ثم تعاملوا مع الجثمان”. لقد أراد التلمود إثبات الفقرة في سفر الجامعة بأن “الكلب الحي خير من الأسد الميت”، معتبراً أن الإنسان بمجرد موته يفقد أفضليته وتُطبق عليه قوانين السبت الصارمة التي تمنع تحريك الميت إلا بحيلة وضع “رغيف خبز” فوقه.

مدراش “روت رابا”: حماية الأجنحة وكرامة الملوك

في المقابل، يقدم مدراش “روت رابا” رواية أكثر تكريماً للملك الراحل. تبدأ الرواية بتأكيد وقوع الوفاة في عيد “شفوعوت” الذي صادف يوم سبت. وخلافاً للتلمود البابلي، نجد أعضاء السنهدرين (المجمع المقدس) يبادرون بالذهاب إلى الملك سليمان لمواساته في مصابه.

وعند طرح المعضلة الفقهية، نجد تغييراً جوهرياً في ترتيب الإجابة؛ فقد اهتم الحاخامات أولاً بكيفية صون جثمان داود قبل التطرق لمسألة الكلاب الجائعة. كما تختفي في هذه الرواية نبرة الاستخفاف أو الحيل البسيطة؛ فبدلاً من “رغيف الخبز”، يذكر المدراش أن سليمان بسط قماشاً فوق والده، أو في رواية أكثر مهابة، استدعى النسور التي جاءت وبسطت أجنحتها لتظلل جثمان داود وتحميه من حرارة الشمس.

وفاة سيدنا داوود: لماذا أعاد المدراش صياغة التاريخ؟

يخلص الباحث البروفسور شاشون إلى أن التلمود البابلي هو الأقدم تاريخياً. ويقترح أن محرري مدراش “روت رابا” في فلسطين، رغم معرفتهم بالرواية البابلية، قرروا إعادة صياغتها عمداً. والسبب في ذلك هو رغبتهم في حذف أي نبرة قد تُفهم كتقليل من شأن الملك داود.

لقد تعمد المدراش إخفاء فقرة سفر الجامعة”الكلب الحي خير من الأسد الميت” لأنها لم تعد تتناسب مع التوجه الجديد الهادف لتكريم “الأسد” حتى في الموت. هكذا، تحولت القصة من درس فقهي حول تفوق الأحياء في تأدية الوصايا، إلى ملحمة تكريمية تستعين بالمعجزات (كالنسور) لحفظ هيبة مؤسس السلالة الملحمية لملوك إسرائيل. كما تؤكد على دور الحاخامات سواء في التلمود أو المدراش في اختلاق أحداث خيالية من أجل تفسير فقرة فيالعهد القديم.

عن عزيزة زين العابدين

مترجمة لغة عبرية، وباحثة في الشئون الإسرائيلية في تخصص تحليل الخطاب السياسي الإسرائيلي.

شاهد أيضاً

كتاب موسى والتوحيد| رحلة فرويد بين الدين وعلم النفس

كتاب موسى والتوحيد| رحلة فرويد بين الدين وعلم النفس

كتاب موسى والتوحيد| رحلة فرويد بين الدين وعلم النفس