هل يكون الخطاب الإسرائيلي في أحداث طوفان الأقصى دليل إدانة للإدارة الإسرائيلية

هل يكون الخطاب الإسرائيلي في أحداث طوفان الأقصى دليل إدانة للإدارة الإسرائيلية
هل يكون الخطاب الإسرائيلي في أحداث طوفان الأقصى دليل إدانة للإدارة الإسرائيلية

يمكن النظر إلى الخطاب الإسرائيلي في أعقاب عملية طوفان الأقصى بوصفه جبهة موازية للحرب الميدانية: جبهة الكلمات والتوصيفات والشعارات. لكن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: ماذا قال القادة الإسرائيليون؟ بل: هل يمكن أن تتحول هذه الأقوال نفسها إلى أدلة إدانة ضد الإدارة الإسرائيلية في ساحات القانون الدولي والرأي العام؟

هذا المقال يحاول الإجابة عن السؤال، اعتمادًا على عينة واسعة من الخطابات والتصريحات التي نُقلت في مقالات بالعبرية والإنجليزية، وعلى قراءة قانونية وسياسية لما فعلته هذه اللغة بصورة إسرائيل وصانعي قرارها.

من «الدفاع عن النفس» إلى خطاب العقاب الجماعي

منذ الساعات الأولى بعد 7 أكتوبر، ظهر في الخطاب الرسمي الإسرائيلي تحول واضح من لغة «استعادة الردع» إلى لغة العقاب الجماعي. وزير الدفاع يوآف غالانت أعلن في 9 أكتوبر فرض «حصار كامل» على غزة، قائلاً إنه أمر بقطع الكهرباء والمياه والوقود والغذاء عن القطاع، مضيفًا: «نحن نحارب حيوانات بشرية وسنتصرف وفقًا لذلك». هذا التصريح لم يرد في الصحافة فحسب، بل استشهدت به محكمة العدل الدولية نفسها في أمرها الصادر في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل باعتباره مثالًا على خطاب قد يشير إلى نية تدميرية تجاه سكان غزة.

قطع الكهرباء والمياه والوقود عن أكثر من مليوني إنسان لم يُقدَّم في خطاب غالانت كإجراء عسكري محدود، بل كأداة عقاب جماعي مرتبطة بتوصيف «حيوانات بشرية». هنا يلتقي الفعل المادي (الحصار الشامل) مع نزع الإنسانية عن المجتمع الواقع تحت العقاب، وهو تلازم له وزن كبير في فقه الجرائم الدولية.

تجريم المجتمع كله: «لا أبرياء في غزة»

لم يقتصر الأمر على وزير الدفاع. الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يفترض أن يكون رمزًا لـ«وحدة الشعب»، قال في مقابلة صحفية إنه «لا يمكن القول إن المدنيين في غزة غير معنيين بما يجري»، بل إن «الأمة كلها تتحمل المسؤولية». وأشارت تقارير صحفية غربية إلى أن الرئيس قال عمليًا إنه «لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة».

هذا النوع من الخطاب يتجاوز تحميل حركة المقاومة المسؤولية إلى تعميم الجريمة على الشعب. في القانون الدولي، مثل هذه العبارات تُقرأ بوصفها مؤشرات على قبول مبدئي لاستهداف المدنيين، أو على الأقل لتقليص وزن حمايتهم في ميزان القرار العسكري. لذلك استشهدت جنوب أفريقيا بهذه الأقوال أمام محكمة العدل الدولية لتدعم ادعاءها بوجود نية للإبادة أو على الأقل لمعاقبة جماعة قومية بأكملها.

استعارة «عماليق» وحرب «أبناء النور» ضد «أبناء الظلام»

رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أضاف طبقة دينية – توراتية إلى الخطاب. ففي نهاية أكتوبر 2023 استشهد أمام الجنود بفقرة من سفر التثنية تدعو إلى تذكر ما فعله «عماليق» ببني إسرائيل، وهي قصة تُستخدم في التراث الديني كرمز لعدو يجب محوه بالكامل. الصحف الغربية والإسرائيلية ربطت هذا الاقتباس بتوجيه رسالة ضمنية إلى الجيش بأن الحرب ليست مجرد عملية عسكرية، بل حرب إبادة ضد عدو شيطاني.

في خطاب آخر قسم نتنياهو العالم إلى «أبناء النور» و«أبناء الظلام»، واضعًا إسرائيل في معسكر النور، وخصومها – ومن ضمنهم فلسطينيو غزة – في معسكر الظلام. هذه الثنائية الأخلاقية الحادة تعمق نزع الإنسانية، وتحول الحرب من صراع سياسي إلى معركة وجودية مطلقة، حيث يصبح القتل جزءًا من «رسالة مقدسة» لا مجرد استخدام للقوة.

صحيفة فرنسية كبرى رأت أن هذا النوع من الخطاب – إلى جانب وصف غالانت للفلسطينيين بالحيوانات – يمثل «طوفانًا من اللغة اللاإنسانية» في إسرائيل بعد 7 أكتوبر، وأنه يعكس مزاجًا انتقاميًا ورغبة في «إعادة كتابة قواعد الحرب» في غزة.

كيف قرأ الداخل الإسرائيلي هذه اللغة؟

اللافت أن الاعتراض على هذا الخطاب لم يأتِ من الخارج فقط، بل من داخل إسرائيل نفسها. حيث حذر كُتاب رأي في صحف عبرية مثل «هآرتس» من أن تصريحات غالانت وهرتسوغ ونتنياهو تمنح الجنود شعورًا بأن كل شيء مباح في غزة، وأنها تفتح الباب أمام جرائم حرب لا يمكن تبريرها لاحقًا.

مجلة «+972» الإسرائيلية – التي يكتب فيها صحفيون يهود وعرب – وثقت سلسلة من التصريحات التي رأت فيها «نمطًا واضحًا من التحريض الإبادي»، بدءًا من دعوات وزراء لتهجير سكان غزة، مرورًا بتصريحات عن «محو» أحياء كاملة، ووصولاً إلى خطاب يربط بين استهداف البنى المدنية وبين «الانتقام» للعائلات الإسرائيلية.

هذا النقد الداخلي يثبت بما لايدع مجالا للشك أن المشكلة ليست «قراءة عربية متحيزة»، بل أن جزءًا من النخبة الإسرائيلية نفسها يرى أن الخطاب تجاوز خطوطًا حمراء تاريخية، حتى وفق المعايير التي كانت إسرائيل تعلن الالتزام بها في حروب سابقة.

حين تتحول الكلمات إلى أدلة قانونية

في 26 يناير 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا باتخاذ تدابير مؤقتة في قضية الإبادة المرفوعة ضد إسرائيل. ورغم أن المحكمة لم تُصدر حكمًا نهائيًا بوجود جريمة إبادة، فإنها اعتبرت أن هناك «خطرًا جديًا» يستدعي تدخلها. أحد العناصر التي استندت إليها المحكمة كان تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

في الفقرات المتعلقة بالأدلة، استشهدت المحكمة حرفيًا بتصريح غالانت عن «الحيوانات البشرية» والحصار الكامل، وبكلام الرئيس هرتسوغ عن مسؤولية الأمة بأكملها، واعتبرتها ضمن مؤشرات يمكن أن تُفهم على أنها تشجيع أو قبول لأفعال قد ترقى إلى الإبادة أو التحريض عليها.

بمعنى آخر: ما قيل في المؤتمرات الصحفية والخطب الشعبية لم يبقَ مجرد «كلام سياسة»، بل دخل رسميًا في سجل قانوني دولي. هذا تطور خطير على الإدارة الإسرائيلية، لأنه يفتح الباب لاستخدام الخطاب نفسه كقرينة على النية، وهو عنصر أساسي في إثبات جرائم مثل الإبادة والاضطهاد المنهجي.

بين الخطاب والفعل: هل يوجد تناقض أم تطابق؟

من الناحية التحليلية، يمكن أن نرى ثلاثة مستويات للعلاقة بين الخطاب الإسرائيلي والسياسة الفعلية على الأرض:

  1. تطابق مباشر: الحصار الشامل الذي أعلنه غالانت تَرجَم نفسه في الواقع إلى قطع الكهرباء والوقود والمياه لفترات طويلة، مع تقييد دخول الغذاء والأدوية بشكل حاد، كما وثقت منظمات دولية متعددة. هنا يصبح الخطاب «إعلان برنامج عمل» لا مجرد تهديد.
  2. تسهيل ارتكاب الجرائم: حين يقول الرئيس إن «لا أبرياء في غزة»، فإنه يخلق مناخًا ذهنيًا لدى الجنود والرأي العام يسهّل قبول سقوط أعداد ضخمة من المدنيين، ويبرر قصف أحياء سكنية كاملة بحجة أن الجميع «متورط».
  3. التغطية على الفشل السياسي والعسكري: كثير من المقالات الإسرائيلية نفسها تحدثت عن أن هذا التصلب الخطابي يخفي خلفه شعورًا عميقًا بالإهانة من ضربة 7 أكتوبر، وحاجة الحكومة والجيش إلى استعادة صورة القوة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن تدمير غزة بلا أفق سياسي.

بهذا المعنى، الخطاب ليس انفصالًا عن الواقع، بل هو جزء من ماكينة صنع القرار: يحدد من هو «العدو»، وما هو «المسموح» و«غير المسموح» في التعامل معه، ويمنح غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا لاستخدام قوة مفرطة.

ماذا يعني ذلك لصورة إسرائيل ومستقبل المساءلة؟

إسرائيل حاولت لعقود تقديم نفسها باعتبارها دولة «محاصرة تدافع عن نفسها» وتلتزم في الوقت نفسه بـ«أكثر جيوش العالم أخلاقية». هذا السرد كان يعتمد على ضبط اللغة في الخطاب الرسمي حتى عندما كانت الأفعال على الأرض عنيفة.

ما حدث بعد طوفان الأقصى هو أن الحاجز بين القول والفعل انهار. العضب الشعبي داخل إسرائيل، وانهيار الثقة بين المجتمع والقيادة بعد الفشل الأمني في 7 أكتوبر، إلى جانب قوة التيار الديني – القومي داخل الحكومة، كل ذلك دفع الخطاب نحو مزيد من التعري: لم يعد هناك حرص كبير على تجميل الكلام أو تغطيته بعبارات قانونية ناعمة.

النتيجة أن صورة إسرائيل في العالم الغربي نفسه تعرضت لشرخ عميق. وسائل إعلامية كانت تقليديًا قريبة من الرواية الإسرائيلية بدأت تنشر مقالات تتحدث عن «لغة لا إنسانية»، وعن «تنصّل من أي مسؤولية عن مصير المدنيين».

هذا الشرخ لا يعني بالضرورة أن المجتمع الدولي مستعد فورًا لفرض عقوبات أو محاكمة قادة إسرائيليين، فموازين القوى السياسية ما زالت تميل لصالح تل أبيب. لكنّه يعني أن مستودعًا ضخمًا من الأدلة الخطابية قد تراكم، وسيبقى حاضرًا في أي تحقيق دولي مستقبلي، سواء أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية أو لجان تقصي الحقائق.

خلاصة: نعم، الخطاب نفسه وثيقة اتهام

بالعودة إلى السؤال الأول: هل يمكن اعتبار الخطاب الإسرائيلي في أحداث طوفان الأقصى دليل إدانة للإدارة الإسرائيلية؟

الإجابة، في رأيي، هي نعم، بدرجة كبيرة. ليس لأن العرب أو الفلسطينيين قرؤوا الخطاب بنية عدائية، بل لأن:

  • تصريحات كبار المسؤولين خرجت من إطار الدفاع المشروع لتصل إلى نزع إنسانية جماعة كاملة ودعوات لعقابها جماعيًا.
  • هذه التصريحات استُخدمت بالفعل من قبل دول ومنظمات حقوقية كجزء من ملفات قانونية أمام أعلى محكمة دولية في العالم.
  • التغطية الإعلامية العبرية والإنجليزية نفسها وثقت وناقشت هذه اللغة بوصفها انحرافًا خطيرًا عن معايير كانت إسرائيل تزعم الالتزام بها.
  • هناك تطابق واضح بين ما قيل وبين ما جرى على الأرض من حصار خانق وقصف واسع للبنية المدنية في غزة.

في النهاية، قد تُحسم مسؤولية القيادة الإسرائيلية في المحاكم بعد سنوات، لكن ما هو مؤكد أن أرشيف الخطاب – الخطب، المؤتمرات، المقابلات المتلفزة، التغريدات – أصبح اليوم جزءًا من ملف الاتهام.

مهمة الباحثين والإعلاميين العرب، وخاصة في مصر وفلسطين والمنطقة، أن يستمروا في جمع هذا الخطاب وترجمته وتحليله، لأن معركة الوعي والقانون لا تقل أهمية عن معركة الميدان. الكلمات التي تُقال اليوم قد تكون غدًا أحد أهم مفاتيح العدالة للضحايا، ودليلًا على أن ما جرى في غزة لم يكن «حربًا عادية»، بل حربًا وُلدت من لغة تحريضية تكشف نوايا أصحابها قبل أن تنكشف أفعالهم.

عن عزيزة زين العابدين

مترجمة لغة عبرية، وباحثة في الشئون الإسرائيلية في تخصص تحليل الخطاب السياسي الإسرائيلي.

شاهد أيضاً

خطاب بيغين أمام الرئيس السادات في الكنيست

نص خطاب مناحم بيجن أمام الرئيس السادات في الكنيست الإسرائيلي